المسعودي
418
مروج الذهب ومعادن الجوهر
لها الاقباء والقناطر والسراديب ، وأودعها تلك الذخائر من العين والوَرق والجواهر ، وبنى فوق ذلك هذه المنارة ، وكان طولها في الهواء الف ذراع ، والمرآة على علوها والديادبة جلوس ( 1 ) حولها ، فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضوء تلك المرآة ( 2 ) صوتوا بمن قرب منهم ، ونصبوا ونشروا أعلاماً فيراها من بعُد منهم فيحذِّر الناس وينذر البلد ، فلا يكون للعدو عليهم سبيل ، فبعث الوليد مع الخادم بجيش وأناس من ثقاته وخواصه فهدَم نصف المنارة من أعلاها ، وأزيلت المرآة ، فضجَّ الناس من أهل الإسكندرية وغيرها ، وعلموا انها مكيدة وحيلة في أمرها ، ولما علم الخادم استفاضة ذلك ، وأنه سينمى إلى الوليد ، وانه قد بلغ ما يحتاج اليه ، هرب في الليل في مركب كان قد أعده ، وواطأ قوماً على ذلك من أمره ، فتمت حيلته ، وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغاصٌ ، يخرج منه قطع من الجواهر تتخذ منه فصوص للخواتم يشبه أنواعاً من الجواهر : منه الكركهن والأدرك ( 3 ) واشباد جشم ، ويقال : إن ذلك من الآلات التي كان اتخذها الإسكندر للشراب فلما مات كسرتها أمه ورَمتْ بها في تلك المواضع من البحر ، ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجوهر وغرَّقه حول المنارة لكيلا يخلو من الناس حولها ، لأن من شأن الجوهر ان يكون مطلوباً أبداً في كل عصر في معدنه ( 4 ) ، براً كان أو بحراً ، فيكون الموضع على دوام الأوقات بالناس معموراً ،
--> ( 1 ) في بعض النسخ : والدبادب جلوس . ( 2 ) هذه العبارة لا توجد في احدى النسخ . ( 3 ) في احدى النسخ : منه الكركن والأذرك والأسباذ جشم . ( 4 ) في إحدى النسخ : في سائر الأعصار في معدنه .